ابن ميمون
415
دلالة الحائرين
فصل م [ 40 ] [ معرفة النبوة الحقيقية ] قد بيّن غاية البيان ان الانسان مدنى بالطبع وان طبيعته ان يكون مجتمعا ، وليس هو كسائر الحيوان الّذي ليس من ضرورياته الاجتماع ، ولكثرة التركيب في هذا النوع ، لأنه آخر مركب كما علمت ، كثر التباين بين اشخاصه حتى يكاد ان لا تجد شخصين « 1430 » متفقين في / نوع من أنواع الاخلاق بوجه ، الا ما « 1431 » تجد صورتهما « 1432 » الظاهرة متفقة . وعلة ذلك اختلاف المزاج فتختلف المواد ، فتختلف أيضا الأعراض التابعة للصورة لان لكل صورة طبيعية أعراضا ما خصيصة تابعة لها ، غير الأعراض التابعة للمادة . وليس مثل هذا الاختلاف الشخصي العظيم موجودا في كل شيء « 1433 » من أنواع الحيوان ، بل الاختلاف بين اشخاص كل نوع متقارب الا الانسان . فإنك تجد الشخصين منا كأنهما من نوعين في كل خلق وخلق حتى تجد قساوة شخص تصل لحيّز « 1434 » ان « 1435 » يذبح صغير بنيه من شدة الغضب ، وآخر يشفق على قتل بقّة ، أو أحد الحشرات وترقّ نفسه لذلك . وهكذا في أكثر الأعراض ، فلما كانت طبيعته تقتضى ان يكون في اشخاصه هذا الاختلاف وطبيعته ضروري لها الاجتماع ، لم يمكن بوجه ان يتم اجتماعه ، الا بمدبر ضرورة يقدّر افعالهم ، ويكمّل المفرّط « 1436 » ويقصّر المفرط . ويسنّ أفعالا وأخلاقا يفعلونها كلهم على سنن واحد دائما إلى أن يخفى الاختلاف الطبيعي في كثرة الاتفاق الوضعي فينتظم الجمع . ولذلك أقول : ان الشريعة ، وان لم تكن طبيعية فلها مدخل في الامر الطبيعي ، فكان من حكمة الاله في بقاء هذا النوع لما شاء وجوده ، ان جعل في طبيعته ان يكون لاشخاصه قوة تدبير .
--> ( 1430 ) شخصين : ت ، بين شخصين : ج ( 1431 ) الا ما : ت ج ، كمالا : ن ( 1432 ) صورتهما : ت ، صورتها : ج ( 1433 ) كل : ج ، - ت ( 1434 ) لحيز : ت ، لحين : ج ، إلى حد : ن ( 1435 ) ان : ت ، - : ج ( 1436 ) المفرط : ت ج ، المقصر : ن